الشيخ جواد بن عباس الكربلائي

268

الأنوار الساطعة في شرح زيارة الجامعة

الحق ، فكلما كان التوجه أدوم وأشدّ كان التجلي أزيد كما لا يخفى . فالخلق هو الحجاب المنقسم بهذه الأنواع المنقسمة إلى افراد كثيرة في كل نوع منها ، فالوجود الحقيقي لا حدّ له أصلا ولا رسم ولا نعت ، فإذا وجد شيء بإيجاده تعالى وجد بالحدّ المفسر بما ذكر ، وهذه الحدود كثيرة جدّا . ففي الحديث : " إن بين اللَّه تعالى وبين خلقه سبعين ألف حجاب من نور وظلمة " فكلّ موجود مساوق للحدّ الذي هو الحجاب ، فإذا تخلق الإنسان بأخلاق اللَّه ، ووصل إلى مرتبة الفناء في اللَّه تعالى ، الذي علمت أنه عبارة عن مشاهدة كلّ كمال في وجوده تعالى ، وهذا الوصل له مراتب حسب السالكين ، فالواصل الكامل هو المتقرب إليه بالقرب المعنوي ، ثم لا يخفى أنه ليس المراد منه القرب إلى ذاته تعالى بالتماس والحلول والآحاد كما توهمه بعض المتصوفة ( لعنهم اللَّه ) بل المراد هو ظهور حقائق أسمائه الجلالية والجمالية لدى العارف به تعالى بحسب تجرّده عن الحدود الخلقية ، والتخلق بالأخلاق الإلهية ، ثم إن هاهنا أمثلة للقوم في بيان تقريب هذا القرب المعنوي إلى الذهن ، فنحن نذكرها ، ثم نعقبها بالأحاديث الواردة الدالة على أنهم عليهم السّلام أحسن مصاديق المقربين إليه تعالى ، فنقول عليه التوكل . قالوا : مثال القرب " وللَّه المثل الأعلى " 16 : 60 المرآة في استضاءتها من الشمس ، فإنها أقرب إلى الشمس من الأرض معنى وقابلية ، فإن الشمس تشرق عليها وعلى الأرض بنسق واحد ونسبة واحدة ، إلا أن المرآة لشدّة قابليتها لأجل صفائها الذاتي المفارق بها عن الأرض يكون استشراقها من الشمس واتصافها من نور الشمس أشدّ من غيره من الأرض ، أو من ساير ما طلعت عليه الشمس كالأجسام الرقيقة ، فلهذه القابلية الشديدة إذا نظرت إليها حينئذ تراها كالشمس لا فرق بين المرآة وبين الشمس في الإضاءة ، إلا أن إضاءة المرآة من الشمس ، والمرآة كالأرض في أن الشمس لم تشرق عليها أكثر من إشراقها على الأرض ، ولكن لشدّة قربها المعنوي